حيدر حب الله

47

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وقفات نقديّة مع الاستناد لعمومات الدعاء في تشريع الاستخارة وهذا الدليل لعلّه من أفضل الأدلّة العامّة على إثبات شرعيّة الاستخارة وحُسنها ، إلا أنه ينبغي التأمّل هنا في أطراف الموضوع ، ففعل الاستخارة الدعائيّة لا شك في تمحّضه بعنصر الدعاء وصدق أدلّة الدعاء وحُسن الظنّ والتوكل فيه ، وهذا واضح ، إلا أنّ الكلام في الاستخارة الاستشارية ، فهل هي فقط فعلُ دعاءٍ أم هي شيء مركّب من عدّة أمور ؟ الذي يبدو لي أنّ الاستخارة الاستشارية تحتوي على عدّة عناصر : العنصر الأول : الدعاء ، حيث لا شك ولا ريب في أنّها دعاءٌ لله تعالى مهما كان متعلّقه ، وهذا الجانب يظهر حال فعل مقدّمة الاستخارة ، أي قبل أخذ حبّات السبحة ، وقبل فتح المصحف الشريف أو مقارناً لذلك وسابقاً له معاً ، وهذا الجانب أو العنصر يمكن إثبات شرعيّته بأدلّة الدعاء ، بل وإثبات استحبابه بنفسه . العنصر الثاني : نفس أخذ حبّات السبحة ، ونفس فتح المصحف الشريف ، ونفس التقاط بعض أوراق القرعة عشوائياً ونحو ذلك . ومن الواضح أنّ هذا لا يصدق عليه أنّه دعاء ، بل هو فعلٌ مقارنٌ للدعاء أو لاحقٌ له ، ومن الصعب القول بأنّه مشمول لأدلّة الحثّ على الدعاء . العنصر الثالث : ترتيب الآثار على نتائج الاستخارة وخلق ثقافة الاستخارة في المجتمع بحيث يذهب المستخير عند مخالفته للاستخارة إلى التصدّق حذراً من المشاكل وما أشبه ذلك ، وهذا كلّه من الواضح أنّه ليس دعاءً في حدّ نفسه ، حتّى تشمله عمومات الدعاء ومطلقاته . من هنا ، أجد أنّه تبسيطٌ للأمر أن تُعَدّ الاستخارة - بما هي ظاهرة متكاملة مركّبة